ليس من الممكن الشبع من القهوة التركية والتي ترسخت في ثقافتنا بالعديد من خواصها وميزاتها…

لنبدأ بتبادل أطراف الحديث بينما نرتشق قهوتنا بمتعة…

تحضيرات القهوة

يتم سحب الطقم (الصندوق) الخاص بالقهوة من تحت المجلس التقليدي أو حيث تم وضعه. يتم فتح حزمة الصندوق المطوية من اليمين واليسار والأمام والخلف طرف تلو الأخر حسب الأصول. بعد فتح الحزمة المطرزة بعناية بالأيدي المندوبة من تعب السنين، يتم اخراج أدوات صنع القهوة المطرزة أيضاً والمليئة بالذكريات مثل المطحنة ووعاء تحميص القهوة والركوة والفنجان وعبوة القهوة والملعقة الخاصة واحدة تلو الأخرى.

أولاً يؤخذ من القهوة المغرية بلونها الأخضر كمية كافية براحة اليد ويتم وضعها في وعاء التحميص. يتم وضع الركيزة فوق النار المشتعلة في الموقد. هناك مسافة معينة يتم المحافظة عليها ما بين النار والمحمصة والغرض منها هو ضمان عدم احتراق القهوة.

يتم خلط حبوب البن بعد وضعها في وعاء التحميص على مهل بخلاط خشبي حتى تصل إلى القوام المطلوب. ثم توضع حبوب البن المستوية في وعاء المطحنة ليتم طحنها يدوياً. هذه القهوة التي تنبعث منها رائحة رائعة أثناء التحميص تغطي المنطقة كلها برائحتها الجذابة. تبدأ عملية طحن جبوب القهوة في هذا الجو المعطر برائحتها الخلابة، في مرحلة الطحن تفوح رائحة عطرة أخرى تتحد مع رائحة التحميص لتتشكّل رائحة جذابة من عالم آخر…

وكوننا أطفال في تلك الفترة من الزمن، كنا نستمتع بشكل فريد بتذوق طعمها أثناء الجمع بين مسحوق القهوة الطازجة قبل الطبخ مع السكر ملعقة تلو الأخرى. في نهاية الأمر يتم وضع القهوة التي تم طحنها في مطحنة الحبوب وتحويلها إلى مسحوق في ركوة القهوة بحسب عدد الأشخاص (يسمى أيضًا عيار اليد أو العين) وتغلى حتى يرتشفها من أدمن عليها. تم تصميم ركوة القهوة بأحجام مختلفة لتكون مناسبة لشخص أو شخصين أو ثلاث أشخاص وما إلى ذلك وهي مصنوعة من النحاس ومطلية الجوف بالقصدير.

يضاف الماء المعتّق الموضوع في ابريق زجاجي على القهوة الموضوعة في الركوة بحسب عدد الفناجين، غالباً ما يتم تأمين هذا الماء من مصادر طبيعية وخاصة مثل ماء هنكار وحميدية. يتم وضع الركوة على الحطب المشتعل في الموقد النحاسي وتغرز به إلى حد قريب من فمها. يتم البدء بتحريك القهوة المحضرة للضيافة لفترة طويلة بعد ان تبدأ بالاستواء ببطء تام حتى تختلط جيداً بالماء وتذوب تماماً وتصل إلى القوام المطلوب. يتم التوقف عن التحريك عند بدء تشكّل طبقة رغوية على سطح وعاء القهوة. يتم الانتظار مرة أخرى لفترة طويلة حتى تتكثّف الرغوة وتبدأ بالغليان. بعد أن تقترب من الغليان تبدأ عملية سكب القهوة في الفنجان/الفناجين الموضوعة بالقرب من الموقد. في حال وجود أكثر من فنجان واحد يتم الانتباه جداً إلى التأكد من تقسيم الرغوة بشكل متساو على كل فنجان. هذا الأمر سيمثل بالتأكيد مساواة واحترام المستضيف لضيوفه. سيكون من الصحيح القول أنَّ هذا الأمر هو مثالًا صغيرًا جدًا للسلوك العادل لحضارتنا في الماضي.

غالباً ما نسمع كلمات تطن في آذاننا قبل تحضير القهوة مثل؛

كيف تريد أن تكون قهوتك؟ كيف تحب ان تكون قهوتك؟ كيف تشرب قهوتك؟ والجواب يكون إما سادة، كقهوة الرجال، أريد السكر موضوعاً بجانبها، ثقيلة، قليلة السكر، حلوة أو كثيفة الرغوة.

من السهل تحضير القهوة المطلوبة لشخص واحد. ولكن عندما يكون هناك العديد من الطلبات المختلفة يتم تحضير ركوات مختلفة ووضعها جنباً إلى جنب على المنقل ليتم تحضير القهوة المطلوبة لكل شخص على حدة ثم يتم تقديمها خصيصًا للضيوف. يقوم المستضيف بكل هذا التحضيرات دون أي انزعاج، بل على العكس تماماً يقوم بها بكل سرور.

بعد الضيافة؛

يقوم الضيوف بمدح المستضيف باقول مثل سلمت يداك كانت لذيذة جداً، رائحتها مثيرة جداً، من الواضح انها مطحونة طازجة، أعتقد أنك طحنتها للتو، الطحل ممتاز، متعة خاصة على نار الموقد الهادئة، طعم مختلف على الجمر، نكهة مختلفة على الفحم، أعتقد أن الركوة كانت خاصة الصنع، القهوة لها طعم آخر بفضل يداك، مطحونة جيداً، كانت ممتازة القوام، دائمة، مما يجعله سعيداً.

أجواء القهوة والتعابير والأقوال المستخدمة في هذه الأجواء؛

كوب واحد من القهوة له أربعون سنة من المعزّة،

هل لي بشرب كوبًا من قهوتكم المرة،

تفضل لشرب قهوتنا المرة،

يحق شرب القهوة لمن انتظر مجلسها،

لنشرب قهوة تنعش تعبنا،

لنشرب كوب قهوة تنعش تعبنا،

لنشرب كوب ممتع من القهوة،

دعونا نتبادل همومنا مع فنجان من القهوة،

دعونا نتبادل أطراف الحديث مع فنجان من القهوة،

فنجان من القهوة مع جلسات دردشة النساء،

عزيمة على كوب قهوة يشرب في المقاهي،

الخ. وتستخدم العديد من التعبيرات المشابهة بلطف مع أخذ الرشفات الأخيرة والبدء بالحديث أثناء التقدم لطلب يد النساء.

لا تزال تحظى بأهميتها لتكون من بين أول الأشياء التي يتم تقديمها للضيوف.

 عادات أخرى متعلقة بالقهوة

من العادات الشائعة، على الرغم من أنها لا تطبق من قبل كل شاربي القهوة إلا أن العديد من شاربي القهوة كانوا ولا يزالون يقومون بفعلها وهي قلب الفنجان على فمه لرؤية “فال” الشارب.

بعض المحفوظات في تاريخ القهوة

بحسب ما تم تسجيله في تاريخ القهوة، يذكر أنه تم إحضارها من الحبشة وحسب روايات أخرى من اليمن إلى اسطنبول في القرن الخامس عشر.

هناك أيضا روايات مختلفة حول هذا الموضوع.

من بين المقطوعات الموسيقية النادرة في موسيقانا تدعى “القهوة تأتي من اليمن”. يأتي العندليب من العشب” اسطنبول لا تنسى مع أغانيها واليمن مع قهوتها والعندليب.

تحميص القهوة في عبوات خاصة وتحويلها إلى مسحوق عن طريق طحنها في مطاحن خاصها بعد التحميص ثم تحضيرها بأدوات قيّمة خاصة وفنية ثم تقديمها أيضاً في فناجين قيّمة وفنية لتمييز لذتها الفريدة وأن تكون مصنوعة بأيدي كريمة ومحبة للغاية وتقديمها للضيافة مع كلمات تتضمن الاحترام والمحبة والتسامح خارجة من تلك الألسنة الحلوة مع وجوه مبتسمة يجعل للقهوة طعم متميز فائق اللذة والجمال، وأما عن شربها في ذلك الحال فله متعة لا شبيه لها مطلقاً.

هذا يدل على أن عملية صنع فنجان من القهوة وأخذ رشفة منه تكشف عن رقة الشخص المستضيف وحسن أخلاق ضيوفه. في ثقافة حياة الشعب التركي يعتبر الحب والاحترام واللطف وحسن الضيافة والإطراء والتواضع جزء أساسي من الحياة ومن بين أولويات التقليد التركي.

كما أن مشروباتنا المتعرّقة في ثقافاتنا القديمة لها مكانة خاصة في تاريخنا الماضي. وتعد القهوة التركية واحدة من أهم هذه المشروبات حيث تم تسجيلها عالمياً تحت اسم “Türkish Coffee culture and tradition” بمعنى ثقافة القهوة التركية وتقاليدها في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير الملموس عام 2013. كما أن القهوة التركية هي واحدة من المشروبات التقليدية التي تم تبنيها ومحبتها من قبل ضيوفنا الأعزاء القادمين من العديد من البلدان والذين يأتون لزيارة بلادنا.

القهوة والتي هي اشارة لمفهوم حسن الضيافة في ثقافتنا توضّح أهمية عادات الاستضافة وقبول الضيافة التقليدية في العديد من البيئات المختلفة. وتحظى بمكانتها كونها المشروب الخاص الذي يتم تقديمه في العطلات الخاصة والأعياد وعند زيارة الأقارب والأصدقاء وفي الاجتماعات وعند التقدم بالخطوة الأولى نحو مراسم التعارف والزواج. يُعد استخدام القهوة المصنوعة من قبل المرشحات في اللقاءات الأولى المعدّة لخطوات الزواج الأولى لهدف مختلف أمراً شائع جدًا. وهو استخدامها كأداة لتقييم واختبار مواهب السيدة المرشحة للزواج.

قهوة “Dibek” الطاحونة الحجرية

هي نوع آخر من القهوة يتم تحضيرها عن طريق طحن حبوب البن وخلطها بمختلف الأعشاب أو الحبوب. لذلك سيكون من الصحيح التعبير عن هذه القهوة كقهوة الطاحونة الحجرية. الطاحونة الحجرية هي عنصر تضرب به حبوب البن المصنوعة من مكونات مختلفة في مجالات عديدة. تصنع الطاحونة الحجرية هذه من الحجر أو البرونز أو الخشب. وهي واحدة من الطواحن الكبيرة التي تستخدم لسحق الحبوب والمواد المماثلة أو حتى لإزالة قشور الحبوب.

استمر طحن القهوة عن طريق ضربها في الطاحونة حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر وكان هذا الأمر شائعاً في العهد العثماني. نظرًا لعدم استخدام الطواحن بعد الآن فقد تغيرت طرق طحن القهوة تمامًا عن التي كان يتم ضربها في الطاحونة الحجرية. خلطات القهوة التي تسمى بقهوة “Dibek” مستمرة بالتواجد حتى يومنا هذا وتغيير هذه الخلطات لنكهة القهوة التي توضع بها يجذب انتبها محبي القهوة.

قهوة البطم التربنتيني
إنها شجرة تنمو بشكل طبيعي في العديد من مناطق بلادنا خاصة في المناطق الجبلية في جنوب شرق الأناضول ومنطقة البحر الأبيض المتوسط ​​ووسط الأناضول. وهي إحدى مشروباتنا التي يتم صناعتها بأسلوب القهوة من خلال طحن وتحميص الفواكه المجففة لأعشاب مختلفة مثل البطم التربنتيني والكراك والتوت البري.

يمكن صنعها بالماء مثل القهوة التركية ولكن القهوة المصنوعة من الحليب تستهلك بشكل أكبر خصيصاً في منطقة جنوب شرق الأناضول. وهي من المشروبات التي يفضلها كثير من الناس بسبب مذاقها الرقيق والطعم الزاكي الذي تتركه في الحلق ورائحتها الجذابة وفوائدها. يمكن لأولئك الذين يرغبون في التعرف على فوائد قهوة البطم التربنتيني إجراء أبحاثهم حول هذا الموضوع بسهولة.

تطهى قهوة البطم التربنتيني بنفس طريقة طهي القهوة التركية ويتم إعدادها للتقديم بطريقتين مختلفتين. إما عن طريق طهوها بالماء مثل القهوة التركية التقليدية أو بالحليب بدلاً من الماء.

تم إجراء تطورات مختلفة وهامة في مجال المشروبات وعلى القهوة في يومنا هذا كما هو الحال في العديد من المجالات الأخرى مع نمو وانتشار التجارة العالمية بين الدول. كما تستمر ثقافة شرب القهوة بالنمو والانتشار أكثر مما كانت عليه سابقاً عن طريق تصميمات وعروض تقديمية محلية وأجنبية في قطاع الخدمات. في السنوات الأخيرة استمرت وبأقصى سرعة عادات القهوة القادمة من ثقافات العالم المتعددة والمختلفة بالظهور في كل زاوية وكل طريق وشارع. ومع هذه الأسباب فقد خضعت نكهاتها وعاداتها لتغييرات كبيرة. وزاد عدد بدائل القهوة التي تجذب مختلف الأذواق كثيراً. وبالطبع فإننا نفضل هذه النكهات كوننا نحن ممثلون مجتمعنا التركي.

وتغيرت أمكان شرب القهوة “المقاهي المحلية” واسمها وطعمها ومعناها ومميزاتها وأحاديثها الثقافية ومكانتها الجميلة وعاداتها القديمة ومفهوم تواجدها تماماً عما كانت عليه في الماضي.
على الرغم من أن قيمنا التقليدية والثقافية فقدت بعض من جمالها القديم، إلا أن جهود المواصلة للحفاظ عليها ما زالت مصرّة على الاستمرار بشكل لا يمكن إنكاره أبداً. مع التمني والرغبة التامة لحماية والحفاظ على عادات مشروباتنا والتي بدأت تمتزج مع نكهات مختلفة دخلت ثقافتنا حديثاً حتى لا تتغلب على ثقافتنا الماضية…